عبد الكريم الخطيب

24

التفسير القرآنى للقرآن

وبهذا يتحقق الأداء السليم لتلاوة القرآن ، كما يقول اللّه تعالى : « وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا » ( 4 : المزمل ) . إن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، هم قوم أميون ، تلقّوا لغتهم سماعا ، وحفظوا كلماتها وأساليبها ، أصواتا تحمل من المعاني ما تحمل أنغام الموسيقى إلى أربابها ! فالعربى كان يعرف الكلمة جملة ، كما كان يعرف مدلولها الذي تدل عليه جملة أيضا ، بل إنه يعرف مدلول الكلمة أكثر مما يعرف الكلمة ذاتها ، فإذا نطق بكلمة « سيف » أو « درع » أو « جمل » أو « ليلى » أو نحو هذا ، ارتسم في الحال لعينيه مدلول الاسم الذي نطق به ، دون أن يلتفت كثيرا إلى الصوت الذي انطلق من فمه ! وإذ كان حساب الكلمات عند العرب الجاهليين على هذا النحو ، الذي تبدو فيه الكلمات وكأنها مجرد أصوات ! وإذ كان ذلك كذلك ، وإذ كان القرآن الكريم كلاما معجزا ، فإن وجه الإعجاز لا ينكشف في كلماته وآياته ؛ إلا إذا تحقق للكلمة وجود ذاتي ، وعرف لها ناطقها وسامعها أنها كائن له مشخصاته ، التي تحقّق له وجودا مستقلا عن غيره ، مباينا له ، كما يستقل الإنسان عن الإنسان بذاته ومشخصاته . وعلى هذا التقدير ، تحدث القرآن الكريم إلى هؤلاء الأميّين بما يكشف لهم عن شخصية الكلمة ، وأنها بناء يقوم على أسس ، ويبنى على أصول ، وأن لبنات هذا البناء هي حروف : ألف ، لام ، ميم ، نون ، قاف . . وهكذا . وبهذا النظر إلى الكلمات ، ينطق العربىّ بكلمات القرآن الكريم متأنيا ، متأملا ، حتى لكأن الحرف كلمة ! وبهذا يتصل قارئ القرآن بكلمات القرآن اتصالا وثيقا ، يخلص إليه منه كثير من أضوائه ونفحاته ، وذلك هو